بل أكثر من هذا، أصبح الصراع اللغوي واحد من الصراعات الهامة في العصر الحديث، حيث ثارت معارك عنيفة حول اللغة الأم، وهل هناك لغة أسبق من الأخرى أو أكثر غنى في الجذور اللغوية. ومعنى هذا أنه لا يمكن أن نعزل اللغة عن مضامينها وتضميناتها الإجتماعية والتي يمكن أن تتمثل في جماعة ما جغرافية أو لغوية أو عرقية. فاللغة الكردية مثلاً والتي تنحدر من مجموعة اللغات الآرية هي العنصر الأساسي للتمايز بين الأكراد وباقي الشعوب المحيطة بها. وهنا تتضافر اللغة مع العوامل الجغرافية والإقتصادية والقبيلة في تفجير القضية الكردية. بل والأكثر من هذا، أن عامل اللغة كان المحرك الأكبر لظهور القومية الكردية. ومازالت اللغة النوبية حتى الآن تقف حائلاً بين أهل النوبة وبين الإنصهار في الحياة الثقافية المصرية. كما أن الحدود السياسية بين الولايات المتحدة والمكسيك هي الحدود الفاصلة بين المتحدثين باللغة الانجليزية والمتحدثين باللغة الأسبانية في المكسيك. ولقد دخلت اللغة حلبة الصراع في المشكلة البربرية، حيث يعتبر التمايز بين العرب والبربر ـ في المغرب العربي ـ عرقي بالأساس. إلا أن إحياء القومية العربية في مواجهة حركة الفرنسة في الجزائر، أثار حفيظة البربر فبدأت محاولات كثيرة ـ بمساعدة من فرنسا ـ لاحياء اللغة البربرية والتمسك بها كلغة قومية ـ على الأقل ـ على مستوى التعاملات اليومية. وهكذا تسهم اللغة في زيادة الهوة بين الجماعات البشرية وترسخ لفكرة الأقلية. وتكرس لنوع من الالتزام للعادات التي اتفق الأفراد على اخضاع سلوكهم لها. وهكذا صارت اللغة صيغة جديدة لبرج بابل حيث اختلط الحابل بالنابل.
View the Original article
0 comments:
Post a Comment