1ـ العامل الجغرافي
وهو الحيز المحدد “الحدود الطبيعية” والذي يحصر مجموعة من البشر ويسمهم بسمات مشتركة ذات طبيعة خاصة. ويعتبر العامل الجغرافي من أهم العوامل في تشكيل الأقليات، حيث نجد ارتباطاً كبيراً ـ إن لم يكن تاماً ـ بين ظهور الأقليات وبين سلاسل الجبال، والهضاب، والصحاري، ودلتا الأنهار. حيث تقف هذه الحدود الطبيعية الصارمة حائلاً ـ أو على الأقل عقبة ـ دون هضم الأقليات في كيانات أكبر، وعزلها بنسب متباينة عن السياقات التاريخية المحيطة. ويعزو جمال حمدان تأخر الوحدة القومية في ألمانيا إلى “اللاندسكيب الطبيعي الذي تقطعه الجبال والهضاب والغابات والمستنقعات إلى وحدات وأحواض وجيوب منفصلة لا تخلو من عزلة”. كما لعبت الجغرافيا دوراً خطيراً في حياة الأقلية الشيشانية حيث يلاحظ دارسوا جغرافية منطقة القفقاز “أنها بلاد جبلية في الأساس وسكانها جبليون نظراً لأن السلسلة العظيمة الوسطى من الجبال كان لها السيطرة والتأثير الأكبر على كل المظاهر الطبيعية الأخرى مما كان له دوره في اكساب السكان شخصية تتسم بالكثير من الشجاعة والصبر والتمرس على استمرار النضال” كما حافظت سلسلة جبال زاجروس على طابع قوي واحد للأكراد، رغم تشتتهم السياسي في أكثر من دولة. بل أكثر من هذا، وفرت الطبيعة الجبلية مظلة أمنية ضخمة وفرت الحماية للأكراد في مواجهة القوات العراقية التي حاولت إخضاع الأكراد لسلطة الحكومة المركزية في بغداد. وفي روسيا “كانت فجوات الغابة هي القوقعة التي تبرعمت فيها أمارات الروسيا” وكان الخروج من سيطرة الغابات الاستبسية هو الموحد الحقيقي لروسيا. كما كانت السكك الحديدية الموحد الحقيقي لألمانيا “حيث كان على وحدة ألمانيا أن تنتظر قدوم السكك الحديدية التي جمعت ما قد فرقت الجغرافيا والتاريخ” ويمكن أن نستنبط معادلة تتناسب فيها الجغرافيا وسطوتها تناسباً طردياً مع وجود الأقليات. كما لعبت الحروب قديماً والثورة التكنولوجية حديثاً دوراً خطيراً في تقليص دور الجغرافيا ولكنها لم تستطيع طمس عوامل أخرى صنعتها الجغرافيا قديماً.
View the Original article
0 comments:
Post a Comment