إن دين السلام هو آخر دين أخرج للناس و هو المصحح لجميع الديانات التي جاءت قبله، وقد جاء على يد سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم ومن جاء الله غير مسلما لا يقبل منه قال تعالى :ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين؛ و أيضا باتباع الإسلام تكمن كرامتنا و عزتنا كما جاء على قول عمر بن الخطاب نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله، و لكن ليس الإسلام أو الإيمان بالكلام فقط فإن له أركان يجب الحرص عليها فما هي هذه الأركان؟
إن للإسلام خمس أركان كما جاء على قول خير من قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: بني السلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان و حج البيت . أول ركن هما الشهادتين وهما مفتاح الإسلام ولا يمكن الدخول إلى الإسلام إلا بهما كما أنهما مفتاح الدخول إلى الجنة و من المنجيات من عذاب النار فإن صدقت في قولهما وتطبيقهما فستكون من الفائزين وذلك بصدق التوجه لله وحده وفي هذا حفظ من الشرك الذي يعتبر من الكبائر ولا يغتفر لقوله تعالى: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء.
وأيضا بمحبة الله و رسوله فمن مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله أن تشعر في قلبك بمحبة صادقة لله وحده ونبيه الكريم مع اتباع أوامر الله و هدى محمد صلى الله عليه و سلم. و في الركن التالي إقامة الصلاة، الصلاة التي فرضت في السماء وهي أول مايحاسب عنه العبد يوم القيامة. قال رسول الله أول مايحاسب عنه العبد يوم القيامة الصلاة فإن صلحت صلح له سائر عمله و إن فسدت فسد سائر عمله، و أمر الله بإقامة الصلاة و الحفاظ عليها فقال: حافظوا على الصلوات و الصلاة الوسطى و قوموا لله قانتين؛ وقال أيضا: إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا. فالصلاة جلبة للرزق حافظة للصحة مبيضة للوجه دافعة للأذى مغدية للروح مبعدة من الشيطان. ولدرجة أهميتها فقد كانت آخر ماأوصى به رسول الله قبل مماته. و في الركن الثالث تأتي الزكاة، قال تعالى: و أقيموا الصلاة و آتوا الزكاة و أطيعوا الرسول لعلكم ترحمون؛ و قال أيضا : و الذين في أموالهم حق معلوم للسائل و المحروم. فهي تأتي بعد الصلاة وهي عمود من أعمدة الدين لا يقوم إلا بها وقد حدد الله لمن تجوز الزكاة و قال: إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم. وبعد فهي تطهير للنفس وترد البلاء علَى صاحبها وتضمن له ظل الله يوم لا ظل إلا ظله يوم القيامة. ثم يأتي الصوم قال تعالى: ياأيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون؛ الصوم هو الإمساك عن المفطرات من شهوات البطن والفرج من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، فالصيام يأتي شفيعا في القبر و يوم القيامة و يقول يا ربي إني منعته الطعام و الشهوات بالنهار فشفعني فيه، ولا ننسى الجانب الصحي ففي الصيام خير لا يعلمه إلا الله قال تعالى: وإن تصوموا خير لكم؛ و لا ننسى أن الله جعل للصائمين بابا في الجنة يسمى الريان لا يدخل منه إلا الصائمون ولنضرب مثلا قال رسول الله صلى الله عليه و سلم إن أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوما و يفطر يوما. و من أركان الإسلام أيضا الحج. قال تعالى: و أذن في الناس بالحج يأتوك رجالا؛ و أركان الحج هي الإحرام ثم الوقوف بعرفة ثم طواف الإفاضة ثم السعي بين الصفا و المروى، و من فضله قال رسول الله من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه؛ و في الأخير فإن اتباع هذه الأركان يخول للمسلم اتباع الطريق الصحيح و الفوز برضا الله ورسوله دنيا و آخرة ونذكر بقول الله: و من يبتغي غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين .
1 الإيمان بالله الإيمان بالله والتسليم بربوبيته وألوهيته، فالربوبية: أن تؤمن بأن الله واحد لا ثاني له وهو الخالق والموجِد لكل شيء والقادر على كل شيء وله صفات الكمال التي لا يشوبها نقص بأي وجه من الوجوه. والألوهية: هو أن تصرف جميع العبادات والدعوات والصلوات إلى الله وحده لا شريك له.
2 الإيمان بالملائكة
الملائكة من مخلوقات الله خلقهم الله من نور ويتميزون بأنهم لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. كما أنهم جند الله الذين يستخدمهم في تصريف شؤون الكون وتبليغ الرسل وتسجيل الأعمال وغير ذلك. من ابرز الملائكة المذكورين في المصادر الإسلامية (وفي مصادر أخرى نصرانية أو يهودية): ملَك الروح (جبريل) وملَك الموت (ولم يرد اسمه في القرآن أو السنة الصحيحة) وملَك النفخ في الصور (اسرافيل) وملَك الجبال وجاء في الأحاديث ان السماوات السبع باتساع افلاك الكون وما وراءه لا يوجد فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد وملك راكع لله عز وجل…
الإيمان بكتب الله 3
انزل الله سبحانه وتعالى كتاباً مع كل نبي مرسل مثل التوراة التي انزلت على موسى والإنجيل الذي انزل على عيسى والزبور الذي انزل على داوود ، والقرآن الذي اوحي على النبي محمد كي يكون دستوراً شرعياً ودنيوياً للمسلمين. هناك كتب أخرى لم تذكر في مصدر إسلامي صحيح. يجب على المسلم ان يؤمن بأنها كتب من عند الله ولكن القرآن نسخ جميع الكتب السابقة وابدل معظم احكامها بأحكام أخرى للمسلمين. كما أن المسلم يؤمن بأن الكتب السابقة قد طالها الكثير من التحريف والتبديل. لا بد من الإشارة إلى ان القرآن الكريم جاء مع دعوة الإسلام العالمية بينما كانت الكتب السابقة محصورة بالأمم التي ارسل إليها الأنبياء ولذلك فإن شرائع الكتب السابقة محصورة أيضاً بالأمم التي ارسلت إليها.
4 الإيمان بالرسل
كنوح وعيسى ومحمد عليهم صلوات الله وسلامه، وهم من البشر يوحي الله اليهم بالعقيدة والدين لتبليغه للناس، ويجب الإيمان بأن دعوتهم كانت واحدة على منهج واحد مفهومه توحيد الله بالعبادة وأن جميع الرسل كانوا يقولون لأقوامهم (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره) وهؤلاء الرسل الخمسة المذكورين سابقا هم أولو العزم من الرسل (أي أفضلهم وأكثرهم عزما).
الإيمان باليوم الآخر 5 الإيمان بان الحياة سوف تنتهي في ذلك اليوم وتتحول الكائنات الحية كالحيوانات والحشرات والنباتات إلى تراب، وأمّا البشر فينقلون إلى حياة، أخرى قصيرة في القبر تسمى (البرزخ) ثم إلى الحياة الأبدية التي يكون المؤمن فيها في الجنة والنعيم ويكون الكافر فيها في النار والجحيم ، ويحاسب الناس فيها بان توزن اعمالهم ويخبرهم الله بما فعلوا فردا فردا ، فمن كانت أعماله حسنة نفعته في ذلك اليوم ومن كانت أعماله سيئة كانت شرا عليه ، وقد جاء في الحديث أن لله مائة رحمة أنزل منها رحمة في الدنيا فبها ترحم الأم طفلها ويرحم الوحش ولده وادخر تسعة وتسعين رحمة ليوم القيامة يرحم بها العاصين من عباده.
الإيمان بالقدر خيره وشره من الله 6
ومفهومه أن الله يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن (لو كان كيف يكون)، وأن له قدرا كونيا وشرعيا، فالكوني هو ما يصرف الله فيه شؤون الكون كالموت والحياة والمطر والزلازل والعواصف، وهذا القدر قد يجعل الله فيه ما هو محبوبا لديه وقد يجعل فيه ما هو مكروها لديه كاضطهاد المؤمنين وكفر الكافرين. وأما القدر الشرعي فهو الأديان والعبادات التي يفرضها الله على عباده لتكون وسيلة الاتصال إليه. ويرى الإسلام ان للبشر حرية مطلقة فيما يفعلون الا ما كان من القضاء الكوني كالصحة والمرض والموت وغيره وأيضا فإن الله يعلم افعالهم قبل وقوعها ولا يجبرهم على فعلها.
توحيد الألوهية 7
الألوهية نسبة للإله المعبود المحبوب.. المرجو المطلوب.. الذي تذل وتخضع له القلوب.. فتطمئن بذكره.. وتسكن لقضائه وقدره.. تعبده وتتوكل عليه.. وإليه تنيب.. والإيمان بالألوهية.. هو: إفراد الله بالعبادة وحده لا شريك له.. وتفرده تعالى بصفات الإلهية.. قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (سورة البقرة:163). وقال تعالى: {فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ} (سورة محمد:19). ويسمى توحيد العبادة.. ومعناه الاعتقاد الجازم بأن اللّه تعالى هو: الإلهُ الحق ولا إِلهَ غيره.. وكل معبود سواه باطل.. وإفراده تعالى بالعبادة والخضوع.. وأَن لا يشرك به أَحد.. ولا يُصْرَف شيء من العبادة لغيره.. وأَن يُعْبَدَ اللّهُ بالحُبِّ والخوفِ.. وعبادتُه ببعضها دون بعض ضلال .. قال الله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} (سورة الفاتحة:5). وقال: {وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ} (سورة المؤمنون:117) . وتوحيد الألوهية هو: أَول الدّين وآخره وباطنه وظاهره.. هو أَول دعوة الرسل وآخرها ولأَجله أُرسلت الرسل.. وسُلَت سيوف الجهاد.. وفرِقَ بين المؤمنين والكافرين.. وبين أَهل الجنة وأَهل النَّار.. وإنكاره هو الذي أَورد الأُمم السابقة موارد الهلاك.. وهو معنى: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (سورة الأنبياء:25) . ومَن كان ربا خالقا.. رازقاً.. مالكاً.. متصرفاً.. محيياً.. مميتاً.. موصوفاً بكل صفات الكمال.. ومنزها من كلّ نقص.. بيده كل شيء.. وَجَبَ أَن يكون إِلها واحدا لا شريك له.. ولا تُصْرَف العبادة إِلا إليه.. قال تعالى: { وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ } (سورة الذاريات:56). [عدل]توحيد الربوبية
هو: إفراد الله بأفعال الرب تعالى ومقتضيات الربوبية.. من الخلق والرزق والتقدير .. والملك والسلطان والتدبير.. قال تعالى: {قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} (سورة الرعد:16). وقال تعالى: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} (سورة الإسراء: 111). وتوحيد الأفعال إقرار بأن الله هو الفاعل الحقيقى لكل شيء. لقد عرفه الإمام الصنعاني فقال: “توحيد الخالقية والرازقية ونحوها ومعناه أن الله وحده هو الخالق للعالم فهو الرب وهو الرازق للخلق” بمعنى أن الرب سبحانه غني بنفسه.. وما يستحقه من صفات الكمال ثابت له واجب له لازم من لوازم نفسه تعالى.. لا يفتقر في شيء من ذلك إلى غيره.. بل أفعاله من كماله.. وإحسانه وجوده من كماله.. فلا يفعل شيئا لحاجة إلى غيره بوجه من الوجوه.. بل كلما يريده يفعله.. فهو فعال لما يريد.. وهو سبحانه بالغ أمره.. فكل ما يطلب فهو يبلغه ويناله ويصل إليه وحده لا يعينه عليه أحد.. ولا يعوقه أحد.. ولا يحتاج في شيء من أموره إلى معين.. وما له من ظهير.. ولا ولي من الذل وكبره تكبيراً.. و القول بحدوث أفعال الله تعالى .. باطل مردود بالنقل والعقل قال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} ( سورة الأنعام: 164). والإيمان بأفعال الله طريق للإيمان بألوهيته تعالى.. بإفراده بالطاعة والعبودية..
8 الإيمان بالأسماء والصفات
ومعناه الاعتقاد الجازم بأَنَّ الله عزَّ وجلَّ له الأَسماء الحسنى والصفات العُلى.. وهو متَّصف بجميع صفات الكمال.. ومنزَّهٌ عن جميع صفات النقص.. متفرد بذلك عن جميع الكائنات.. وعقيدة المسلمين في أسماء الله تعالى وصفاته العلا تنطلق من الأصول التالية:
أولاً: أن المسلمين .. يَعْرِفُونَ ربهم بصفاته الواردة في القرآن والسنَة.. ولا يحرِّفون الكَلِمَ عن مواضعه.. ولا يُلحدون في أَسمائه وآياته.. ويثبتون لله ما أَثبته لنفسه من غير تمثيل.. ولا تكييف.. ولا تعطيل.. ولا تحريف.. وقاعدتهم في كلِّ ذلك قول الله تبارك وتعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (سورة الشورى:11). وقوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} (سورة الأعراف:180). والإلحاد: هو الميل عن الحق والانحراف عنه.. ويدخل فيه: “التعطيل.. والتكييف.. والتمثيل”. فالتعطيل: هو عدم إِثبات الصفات.. أو إِثبات بعضها ونفي الباقي.. والتكييف: هو بيان الهيئة التي تكون عليها الصفات.. والتمثيل: هو إِثبات المثل للشيء.. مشابها له من كل الوجوه.. ثانياً: المسلمين .. لا يُحدِّدون كيفية صفات الله تعالى.. لأنه تبارك في علاه لم يخبر عن الكيفية.. ولأَنه لا أَحد أَعلم بالله من الله سبحانه.. قال تعالى: {قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ} (سورة البقرة:140).. وقال تعالى: {فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (سورة النحل:74). ولأنه لا أَحد أَعلم بالله بعد الله من رسول الله صلى الله عليه وسلم.. والرسول أثبت الصفات دون تكييف أو تمثيل..
ثالثاً: أن المسلمين .. يؤمنون أَن الله سبحانه وتعالى هو الأَول ليس قبله شيء.. وهو الآخِرُ وهو الظاهرُ وهو الباطنُ الذي ليس دونه شيء.. قال تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (سورة الحديد: 3). وكما أَنَّ ذاته تعالى لا تشبه الذوات.. فكذلك صفاتهُ لا تشبهُ الصفات.. لأنَّه سبحانه لا سميَّ له.. ولا كفءَ له ولا نِدَّ له.. ولا يُقاس بخلقه.. فيثبتون لله ما أَثبته لنفسه.. إثباتا بلا تمثيل.. وتنزيها بلا تعطيل..فحين يثبتون لله ما أثبته لنفسه لا يمثلون.. وإذا نزَهوه لا يُعَطّلون الصفات التي وصف نفسه بها.. لأنَه لا يجوز أبدا أن يتخيل كيفية ذات الله تعالى أو كيفية صفاته..
9 العقيدة الإسلامية
العقيدة: العقيدة في اللغة: من “عَقَدَ” والعين والقاف والدال و يدل على الشدة ومن ذلك: العقد وهو نقيض الحل، نقول عقد الحبل وعقد البيع وعقد الصلح، فالعقد هو العهد، والعقود هي أوثق العهود، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ} .. وقال جل في علاه: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ} .. وعقد فلان قلبه على الشيء أي لزمه ولم يفارقه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “الْخَيْلُ مَعْقُودٌ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ” ، أي ملازم لها لا يفارقها. العقيدة في الاصطلاح: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره، فهذه الأمور الستة هي أصول العقيدة الصحيحة التي نزل بها كتاب الله العزيز، وبعث الله بها رسوله محمداً – عليه الصلاة والسلام. أو هي: “التصديق الجازم بأركان الإيمان الستة”. وهي ما يعقد عليه المرء.. نقول اعتقدت كذا: إذا عقدت عليه القلب والضمير.. والعقيدة: ما يدين به المرء، يقال: عقيدة حسنة.. أي: سالمةٌ من الشك.. والعقيدةُ عمل قلبي.. وهي إيمانُ القلب بالشيء وتصديقه به .. أما علم العقائد: فهو علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينية بإيراد الحجج ودفع الشبه.
يقوم مشروع الإسلام الحضاري -كما يطرحه عبد الله بدوي- على عشرة عناصر أساسية ينبغي على المسلمين أفرادًا وجماعات العمل على تحقيقها، وهي:
1- التعليم الشامل: الذي يجمع بين معارف الوحي وعلوم العصر، ويغطي فروض الكفاية والأعيان ويؤدي واجبات الوقت دون تقصير.
2- الإدارة الجيدة: التي تحسن إدارة الموارد البشرية والمادية وتوظيف الاستخدام الأمثل لها.
3- التجديد في الحياة: بمعنى ترقية أساليبها من ناحية التمدن والحضارة.
4- زيادة جودة الحياة: وتوفير متطلبات الحياة الكريمة على أجود هيئة وأكمل حالة.
5- قوة الشخصية: من حيث الإخلاص والأمانة؛ فالإخلاص أساس الأقوال والأعمال، بينما الأمانة عماد المجتمع والدولة، وبغيرهما لا يمكن إيجاد الإنسان الصالح والمجتمع الصالح. وهي أخلاق تقوم عليها الحضارات، وبغيابها تزول وتغرب.
6- الحيوية والنشاط: من حيث استجابته للمتغيرات وإدراكه لمتطلبات الحياة المتجددة ومسائلها المتشعبة.
7- الشمول والسعة: يقوم المشروع على الفهم الشمولي للإسلام؛ فهو لا يركز على جانب دون الآخر، ولا يأخذ تعاليم الإسلام مجزأة. ويعتبر الإسلام منهج حياة كاملا؛ فهو عقيدة وعبادة، وأخلاق ومعاملة، وتشريع وقانون، وتربية وتعليم، ودولة ونظام، يتناول مظاهر الحياة كلها، ويحدد منهاجًا للسلوك البشري في كافة أطواره.
8- العملية والواقعية: لا يجنح إلى المثالية المجردة؛ فهو منهج عملي واقعي من حيث مراعاته واقع الحياة وطبيعة الإنسان وتفاوت الناس في استعداداتهم ومداركهم وحاجاتهم ومطالبهم.
9 – الاستقلالية وعدم التبعية للأجنبي: سواء كانت تبعية فكرية أو ثقافية أو اقتصادية وسياسية.
10- تعزيز المؤسسة الأسرية: فالأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع، وبصلاحها يصلح المجتمع وتترابط علاقاته وتتوحد مشاعره.
التحديات التي تواجه الإسلام الحضاري
وبعد أن يعرض رئيس الوزراء الماليزي لجوانب رؤيته يحدد جملة من التحديات التي تواجه مشروع الإسلام الحضاري، وهي في جملتها تحديات داخلية، أبرزها:
1- الجمود والتقليد: يقف تيار الجمود والتقليد عقبة أمام محاولات التجديد والاجتهاد بدعوى الإبقاء على القديم وإن لم يكن صالحًا لعصرنا؛ وهو تيار يعبر عن نفسه في الجمود المذهبي والتقليد الفكري.
2- التطرف: وهو تيار أفرزته المشكلات والاختلال العميق في المجتمعات المسلمة، ويعبر عن نفسه في حركات التطرف الفكري والسلوكي.
3- الانعزال والترهب: وهو تيار ينتشر وسط الأمة الإسلامية، وتغذيه المواقف السلبية الداعية إلى الزهد والرهبنة والابتعاد عن الدنيا والانصراف عنها كلية.
4- العلمانية: وهي اللادينية التي ترفض ارتباط الدين بالحياة، وتوجيهه لجوانبها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وتحارب تدخل تعاليم الدين في شئون الدولة والحكم.
5- أحادية المعرفة: المعرفة الجزئية سواء بالشرع أو الواقع تؤدي إلى نظرة جزئية للأمور وتحجب عن صاحبها معرفة الأبعاد الحقيقية للقضايا، وبالتالي يكون حكمه قاصرًا وعاجزًا عن المعالجة الوافية، ولا بد من معرفة بالشرع والواقع معًا.
6- الضعف في إدارة الوقت: إن إهدار الوقت وعدم إدراك قيمته من أوضح أسباب الفشل والتردي في الحياة العامة في البلاد الإسلامية.
لا يوجد في أنظمة البشر ولا قوانين الأحياء علي ظهر الأرض ما كفل الحقوق، وصان أموال الناس ودمائهم وأعراضهم، كما صانها الإسلام وحافظ عليها. وكم تعددت نظم اقتصادية، وتنوعت مبادئ وأشكال، وظهرت مذاهب وأفكار وتدارسها الناس، وبحثها الباحثون وناقشها المفكرون، وما من مذهب من تلك المذاهب إلا والإعتراضات عليه وإرادة إن لم يكن متعثرا أو مرفوضا. وما من نظرية من تلك النظريات في القديم إلا وظهر في الحياة الحديثة قصورها، وما من نظرية من النظريات الحديثة إلا وظهرت نظرية أخرى تناقضها وهكذا. ومن هنا كان السائرون على تلك المذاهب الحديثة، او الآخذون بهذه النظريات متأرجحة مذاهبهم، و مهزوزة حياتهم الإقتصاديه و معاملاتهم المعاشيه .
ما من جماعة أو أمه أخذت بنظام الإسلام الإقتصادى إلا و كانت ثابتة الخطى مطمئنة الحياه , تمضى بمبادئها المطمئنه لا تناقض و لا اختلاف و لا تعترى حياتهم هزه إقتصاديه من تلك الهزات التى تطيح بالعالم حاليا ً .و السبب واضح كل الوضوح إذ أن الاقتصاد فى ظل الاسلام قائم على أسس أصيله و محكوم بقوانين آلهيه لا يعتورها شك و لا خطأ و لا تناقض و لا تضارب .
إنه يقوم على تحصيل المال من الطريق الحلال و الشركة و البيع و الوكالة و المضاربة و المساقاة و الزراعة و الإجاره و إحياء الأموات و الهبة و العطية و الهدية و الوصية .. إلخ .كما وجه الإسلام أتباعه إلى العمل و السعي و الكسب الحلال و أمر بإستصلاح الأراضى و إستخراج ما فيها من كنوز و خيرات و أمر بالسير و النظر فى الأرض .فقد سخر الله لعباده الشمس و القمر و الليل و النهار و أنزل من السماء ماء ً فأحيا به الأرض بعد موتها و هيأ لكل كائن حى رزقه من طعام و شراب و غذاء و مسكن و كساء .
و من أسرار القدره الالهية الفائقه ما أودعه الخالق المقتدر سبحانه و تعالى داخل الأرض و فى أعماق التربة و الأرضيه من غذاء للنبات .. يستمد غذاءه و نماءه منها , و ما بعثه فى الجو من شمس و هواء و ما يرسله من ماء , و لكل ذلك أثره البالغ في نمو النباتات .ثم ما هيأه الله في النبات من غذاء الانسان و الحيوان .ولقد وجه الله تعالى الإنسانية إلى ما وهبها من نعمة، وأمر الإنسان بالنظر إلى أصل طعامه، وكيف مر بمراحل عديدة، قال تعالى: ” فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (24) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبّاً (25) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقّاً (26) فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً (27) وَعِنَباً وَقَضْباً (28) وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً (29) وَحَدَائِقَ غُلْباً (30) وَفَاكِهَةً وَأَبّاً (31) مَّتَاعاً لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ”" صدق الله العظيم.
و هذا الكون الفسيح بما فيه من السموات و الأرض و من ثمرات و نبات و بحار و أنهار و شمس و قمر كل ذلك نعم وافره أتمها الله على الناس .قال تعالى ” الله الذى خلق السموات و الأرض و أنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا ً لكم و سخر لكم الفلك لتجرى فى البحر بأمره و سخر لكم الأنهر * و سخر لكم الشمس و القمر دائبين و سخر لكم الليل و النهار* وآتاكم من كل ماسألتموه وإن تعدوا نعمة الله لاتحصوها إن الإنسان لظلوم كفار ” صدق الله العظيم.
نجحت جماعة الأخوان المسلمين فى الترويج لنفسها فى فترة الانتخابات البرلمانية السابقة و ما كان قبلها فى عصر المخلوع مبارك تحت شعار (الاسلام هو الحل) ولكن لم يشرح لنا أحد من أعضاء جماعة الاخوان المسلمين ماذا يعنى هذا الشعار؟ و كيف يكون الاسلام هو الحل فى المشاكل التى تواجة مصر ؟ لم تجب علينا جماعة الأخوان المسلمين كان هذا الشعار جيد جدا ليكون غطاء لأستغلال نقاط ضعف نظام مبارك مثل الخدمات الاجتماعية و الصحية و التعليم و غيرها من الخدمات التى يحتاجها المواطن المصرى و كأنهم يقولون اسلام الأخوان المسلمين هو من يفتح لكم الأبواب المغلقة و سوف يقود هذا المجتمع الى ما هو أفضل.
ظل مرشح الأخوان المسلمين الدكتور محمد مرسى يقدم الوعود و يقدم اقتراحات لحل مشاكل مصر و أن تصبح مصر غنية كما هى تستحق بنظره كل هذا كلام أكثر من رائع ولكن الشعارات شيء و الأفعال شيء اخر طيلة مائة يوم من حكم الرئيس محمد مرسى واجه خلالها العديد من الصعوبات و الأزمات ولكن كانت الأساليب التى استخدمها الكتور مرسى لحل مثل هذة المشكلات كانت غير متوقعة تخلى مرشح جماعة الأخوان المسلمين عن الشعارات التى كانت الجماعة ترددها فلم نرى حتى الأن خطوات حقيقية لتنفيذ برنامج الرئيس المعروف بأسم (مشروع النهضة) فلم يلجأ مرسى الى أستخدام الدين الاسلامى لحل ما يواجهه من مشكلات فهو رئيس قادم من خلفية اسلامية و هى جماعة الأخوان المسلمين ولكن الجماعة كما عودتنا أن الكلام شيء و الأفعال شيء أخر فلم نرى نظام الأقتصاد الاسلامى الذى كانت الجماعة تنادى به منذ أن كان نظام مبارك فى الحكم اين هو الأن أيضا لم يطبق الدكتور محمد مرسى نظام البناء الاسلامى لاسكان الشباب و لحل مشكلة العشوائيات الذين توشك أن تسقط عليها صخرة الدويقة للمرة الثانية اين شعار (الاسلام هو الحل) الاسلام هو الحل اذا تم تطبيقة عن فهم و معرفة جيدة مع الأخذ فى الأعتبار تطورات المجتمع وليس فقط اطلاق الشعارات بدون دراسة جيدة و معرفة طريقة الطبيق المناسبة.
جماعة الأخوان المسلمين لم تكن تعرف حجمها الطبيعى و مدى امكانتها حتى تصبح هى الحاكمة الأن فى مصر الأعمال التى كانت تقوم بها الجماعة فى القرى،النجوع و الرعاية الصحية للعدد قليل من الفقراء و غيرها من الخدمات كانت مجدية لأنها تليق بحجم الأخوان الصغير ولكن ذلك جعل جماعة الأخوان المسلمين تتصور أنها يمكن يمثل هذة الأفعال أن تجعلها قادرة على حكم دولة عظيمة بحجم مصر و أن تقدم الحل للمشكلات التى تعانى منها على مر العصور ولكن وضحت الرؤية الأن بعدم قدرة جماعة الأخوان المسلمين فى تحقيق ذلك و أيضا يتضح لنا جميعا عدم جدوى شعار الاسلام هو الحل لكن هذا لا يعنى اطلاقا أن الدين الاسلامى به قصور أو لا يمكن تطبيقه على الواقع العملى ولكن الفكرة هى كيف يتم تطبيق الاسلام فى مختلف المجلات ولكن الديانات السماوية هى أسمى من أن يقتصر تطبيقها على فئة بعينها أو أن تحتكرها جماعة الأخوان المسلمين فهذا من غير المعقول فالدين الاسلامى بريء من ما يحدث الأن من مهازل سياسية و أخلاقية فى مصر تحدث بأسم الدين على المصرين أن يجنبوا الدين فالدين بين العبد و ربه علينا أن نختار ما هو أصلح لنا و التصدى لمن يستخدم الدين لتحقيق مصالح شخصية الدين أسمى من كل ما يحدث الأن علينا أن ندرك ما تفعله جماعة الأخوان المسلمين و غيرها من التيارات التى يستخدم الدين لتحقيق المصالح السياسية و التصدى لها للدفاع عن مصالح مصر فقط دون المصالح الشخصية.
إن لمصر مكانة عظيمة عند الله عز وجل ورسله عليهم السلام، فمصر هي كنانة الله في أرضه، وقد أعطاها الله عز وجل منزلة مهمة، وقد وضع الخالق سبحانه وتعالى على عاتق تلك الدولة العظيمة رسالة شاقة وهي حماية الدين والدفاع عن أمته، وقد جعلها وأهلها في رباط إلى يوم الدين. والدليل على أن مصر لها مكانة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى أنها حظيت بذكر القرآن الكريم لها : “ادْخُلُواْ مِصْرَإِنشَاءاللّهُ آمِنِينَ ” (سورة يوسف: 99)، ” وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُواْ بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ” (سورة يونس:٨٧ )، صدق الله العظيم.
وقد حدث في مصر الكثير من المشاهد التاريخية التي تأتي محملة بذكريات غالية ، وقيم سامية.، وفضائل عظيمة، في جبلها المقدس، ونيلها المبارك. فكلم الله عز وجل نبيه موسى عليه السلام في جبل الطور، وبها الوادي المقدس، وبها فلق الله البحر لموسى، وبها ولد موسى وهارون ولقمان. وعاش بمصر الخليل ابراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف وعيسى عليهم صلوات الله وسلامه جميعا.
وحب مصر وأهلها يعد فضلا ومنزلة، وهي وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاءت في السنة النبوية الشريفة، حيث وصى عليه الصلاة والسلام بمصر وأهلها لما لهم من الذمة والرحم، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحةعن عبد الرحمن بن شماسة االمهدي قال: سمعت أبا ذر يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” إنكم ستفتحون أرضا يذكر فيها القيراط فاستوصوا بأهلها خيرا فإن لهم ذمة ورحما ” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وفي رواية أخرى عند مسلم” إنكم ستفتحون مصر” ، والمراد بالقيراط المذكور في الحديث هو جزء من أجزاء الدينار والدرهم وغيرهما، وكان أهل مصر يكثرون من استعماله والتكلم به.
ولأن حكمة الله تعالى شاءت لمصر أن تنهض بأشرف رسالة في الوجود حفاظا على دينه ونشرا له وتبليغا، وتعليما، وحماية للأمة الإسلامية وتراثها ، وقيامها بالجهاد في سبيل ذلك كله من أجل هذا، حث الإسلام على تكوين جند عظيم لمصر، وهو خير أجناد أهل الأرض. وإنما كان جندمصر هو خير أجناد أهل الأرض لأنه سيظل في رباط وحراسة للحدود وللوطن الإسلامي إلى يوم القيامة، وهذا ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ” إذا فتح الله عليكم مصر فاتخذوا فيها جندا كثيفا فذلك الجند خير أجناد الأرض ” فقال أبو بكر الصديق: ولم يا رسول الله ؟ قال: ” لأنهم وأزواجهم في رباط إلى يوم القيامة” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فجندها وأهلها في رباط ودفاع عن الحق، ونصرة للخير وتبليغ للإسلام، ونشر لقيمها. ففي كل أمة وبيئة من يشذ عن الطريق أو يخرج عن الجماعة لسبب أو إشاعة بتأويل أو غير تأويل، ولكن حكم القلة لا يسئ إلى الجماعة. فكل جند مصر بخير وإيمان ، وقوة وإذعان، ورضوخ للحق، وإخلاص للنية، ليقينهم بسمو أهداف أمتهم، وإيمانهم بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا. ولقد وضح رسول الله صلى الله عليه وسلم معادن الناس والجند بصفة خاصة في حديثه الصحيح، فلا ينقص من عظمة مصر وجندها بعض الذين شذوا وانحرفوا عن الطريق الصحيح.
لقد صان الإسلام حرمة الأعراض وحفظ كرامة الإنسان، وحذر من الغيبة والنميمة، وحذر من الوقوع في حق المسلم او شرفه وكرامته. وحرم السخرية بالناس ، وحرم اللمز والتنابز بالألقاب. كما حرم سوء الظن بالناس، وحذر من التجسس، كما قال الله تعالى في كتابه العزيز: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ” ( الحجرات: 11) صدق اللهالعظيم.
فالإسلام دين الطهر والعفاف، صان الأعراض كما صان الأنفس والاموال، ودعا إلي حمايتها والدفاع عنها. وقد أكد الإسلام علي حرمات المسلمين وضرورة حفظها، فقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ” كل المسلم علي المسلم حرام دمه وماله وعرضه” صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم. وقد كفل الإسلام لحماية الأعراض وصيانتها حقوقا شرعية وفق ما أحله الله من علاقات نقية طاهرة، تتميز بالثبوت والإستقرار، وتحكم تلك العلاقات حقوق وواجبات للإنسان وعليه، ويجب أن يحافظ عليها حتي يقوم الكل بدوره. وتلك العلاقات التي أحلها الله تقوم علي المودة والرحمة، وتكبر من خلالها المشاعر الإنسانية التي تحافظ علي العلاقات بين البشر.
ويقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: ” بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم “، ويقول صلى الله عليه وسلم أيضا محذرا من الظن: ” إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث… ولا تحسسوا ولا تجسسوا ” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. كما يحرم النبي صلى الله عليه وسلم تتبععورات الناس، فقال: ” إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهكذا نري عناية الإسلام بحقوق الإنسان وصيانة حرماته والمحافظة عليها، وقد تربى وتعلم على هذه التعاليم الإلهية القوية القادة الاوائل لهذه الأمة، فصانوا الحرمات وحافظوا على الحقوق ، وأدوا الأمانات، فعاشوا حياة سعيدة رشيدة تفيض عدلا وامنا ورحمة. فقد ترعرت ضمائرهم على الأمانة، وعاشوا حياة ممتلئة بالحب والخير. كانوا أمناء بمعنى الكلمة، يراقبون ربهم في السر والعلانية، لا يخافون في الحق لومة لائم، ولا تغريهم الحياةالدنيا بزينتها وزخرفها وبهجتها.
وهه هو عبد الله بن دينار يقول خرجنا مع عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه إلي مكة، فنزلنا للإستراحة من الطريق، فانحدر بنا راع من الجبل، فقال له: يا راعي بعني شاه من هذه الغنم، فقال: إني مملوك، فقال: قل لسيدك أكلها الذئب، فهو يريد بذلك أن يختبر أمانته وتقواه، فقال الراعي: فأين الله ؟ فبكلا عمر رضي الله عنه، ثم ذهب مع المملوك، فاشتراه من مولاه وأعتقه، فقال للراعي: أعتقتك في الدنيا هذه الكلمة، وأرجو ان تعتقك في الآخرة. فهكذا عاش القادة الأوائل بأمانة كاملة لا نظير لها.
وما أحوج المسلمين اليوم في شتى أنحاء العالم أن يأخذوا بتعاليم الإسلام، وأن يطبقوا مبادئه القويمة، وأن يعتصموا بحبل الله جميعا حتى تستقر الحقوق، وينتشر الأمن وتصان الحر مات، ويفتح الله عليهم بركات السماء والأرض، ويتم نصر الله لهم، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله لهم في دينهم. فلابد ان يكون الغنسانجديرا بهذا الفضل والتكريم، حينما أخذ على عاتقه حمل الامانة التي كلفه به الله عز وجل.
لقد كان الصحابة رضوان الله عليهم يهتمون بالوقوف على كمال دينهم عقيدة وعملا، حتى يكونوا على درجة عالية، حرصا على دينهم وتمسكا به، وعملا بما يوجبه عليهم. فقد سأل سفيان رضى الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعلمه من أمر الإسلام ما يكون جامعا كافيا لا يحتاج بعده إلى سؤال: فقال سفيان لرسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحد بعدك، فقال: قل آمنت بالله ثم استقم ” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا التعبير النبوى البليغ من جوامع الكلم للرسول صلى الله عليه وسلم فمع إيجاز عبارته نستشعر المعنى بحلاوته وهو مطابق لقول الله تعالى ” إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ ” ( سورة فصلت:30) صدق الله العظيم.
ويخص الله في هذه الآية الكريمة الذين لم يحيدوا عن التوحيد والتزموا طاعة الله سبحانه وتعالى إلى أن توفوا على ذلك وكان الحسن إذا قرأ الآية ” إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا ” قال : وإذا كان المراد بالإستقامة هى أن يستقيم المسلم على التوحيد، فإن المراد بالتوحيد هو التوحيد الكامل الذى ينجى صاحبه من عذاب الله تعالى، ويحرمه على النار وذلك بتحقيق معنى “لا إله إلا الله “، وما يبنى عليها من عبادات ومعاملات وأخلاق . والاستقامة هى سلوك الصراط المستقيم وهو الدين القيم دون إعوجاج ولا إنحراف، ويشتمل ذلك على فعل الطاعات وترك المنهيات، وبهذا كانت الوصية جامعة لخصال الدين كلها.
وهذه الوصية التى وصانا بها النبي صلى الله عليه وسلم تصحح أمرين فيهما سعادة الإنسان فى الدنيا والآخرة وهما الركنان الهامان فى حياة كل مسلم .فالركن الأول هو الإيمان وذلك فى قوله ” قل آمنت بالله “، ففى هذا القول إقرار بوجود الله عز وجل واعتراف بالوحداينة وإعلان للإيمان والتصديق بالله الواحد الأحد الفرد الصمد، الذى لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد وإيمان بما أمر به ونهى عنه .
أما الركن الثاني فهو الاستقامة ومتى استقام القلب على التوحيد، فإنه لا يلتفت إلى غيره ويستقيم فى معرفة الله تعالى وخشيته وإجلاله والإعراض عما سواه، فتستقيم جميع الجوارح على الطاعة، وأهم ما ينبغى استقامته بعد القلب هو اللسان فإنه الترجمان الذى يعبر عما فى القلب. فقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين للمسلمين كل ما فيه هدايتهم، وحرص أيضا على أن يرشدهم إلي كل ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة، رحمة منه صلى الله عليه وسلم بالمسلمين.
ونجد أن كل حديث من أحاديث النبي صلي الله عليه وسلم يشتمل علي عدة توجيهات، وكل توجية منهم يدعو إلي فضيلة من أهم الفضائل، التي لها أثر واضح علي الفرد والمجتمع. ونجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قد وضح لنا كثيرا أنه لابد أن يكون إيمان الفرد كاملا من قلبه، حتي يقوم بآداء هذة الفضائل، ويستجيب لهذه التوجيهات. فالإنسان المسلم، المؤمن بالله يجب أن يتمتع بصفات عديدة، حث عليها القرآن الكريم، والنبي الكريم . ولذلك يجب علينا اتباع القرآن والسنة النبوية الشريفة، فهما مصادر التشريع للأمة الإسلامية.
حذر الإسلام من إطلاق الشائعات ومن إذاعة أنباء الأمن أو أنباء الخوف أو بعبارة أخرى أخبار الحرب أو السلام ، حذر الإسلام من إذاعة تلك الأنباء ومن نشرها بين الناس دون الرجوع إلى ولى الأمر، وذلك لأن أخبار الأمن أو السلام إذا أذيعت فقد تدعو إلى التراخى عن الاستعداد والتأهب والأخذ بأسباب القوة، ولأن إشاعة أخبار الخوف أو الحرب قد تفت فى عضد البعض من الناس ومن أجل هذا نعى الإسلام على من يفعلون ذلك، ويطلقون الشائعات قال الله سبحانه وتعالى: ” وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا ” (النساء:83) صدق الله العظيم. وفى عدم ترويج الإشاعات حفظ للأمن الداخلى وصيانة للمجتمع من الداخل حتى لا يتسرب إليه الضعف أو الخوف و الرعب .
وإذا كان عدم ترويج الشائعات من أهم وسائل حفظ الأمن الداخلى، فإن هناك عاملا آخر له أثره وفاعليته فى هذا المجال وهو عامل إيجابى بأن يقوم كل إنسان بعمله، فلا يهمل أحد فى واجب يكلف به، ولا يفرط فى رسالة يقوم بها، بل عليه أن يؤدى واجبه، وأن يقوم به على أحسن وجه، بحيث يكون متقنا له، ففى قيام كل إنسان بعمله وآداء الأفراد والجماعات لمهامهم استقرار وتجاوب مع المجتمع، فلا يكون هناك مجال للاختلاف أو ألوان الإثارات المختلفة، ولقد حث الإسلام على العمل ودعا إلى إتقانه وقال صلوات الله وسلامه عليه ” إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه ” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقال صلى الله عليه وسلم :” ما آكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبى الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده ” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد دعا الإسلام إلى استتاب الأمن الداخلى فى كل صورة من صوره، وفى كل مجال من مجالاته، فإذا نظرنا إلى نظرة الإسلام إلى أمن الإنسان الذاتى، نجده يأمر الإنسان أن يكون معتدلا سائرا فى طريق الأمان ، ويحذره أن يلقى بنفسه فى التهلكة، فقد قال الله تعالى: ” وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ ” (البقرة:195) صدق الله العظيم. ويوضح رسول الله صلوات الله وسلامه عليه بأن أمن الإنسان على نفسه نعمة كبيرة، إذا تحققت معها عافية البدن وقوت اليوم، فقد اكتملت أسباب السعادة وكأنما حيزت الدنيا للإنسان فيقول: ” من أصبح منكم آمنا فى سربه، معافى فى جسده عنده قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا ” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم .
وإذا نظرنا إلى دعوة الإسلام فيما يتصل بجانب الأمن الداخلى بالنسبة للأهل والأسرة، نجد وصاياه فى هذا لا حدود لها وحسبنا قول الله سبحانه وتعالى ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ” ( التحريم:6) صدق الله العظيم. وإذا نظرنا إلى الوصايا بأمن الجيران نجدها تبلغ الغاية فى التأكيد لدرجة قصوى، حتى أن رسول الله صلوات الله وسلامه عليه يقول: ” ما زال جبريل يوصينى بالجار حتى ظننت أنه سيورثه ” وقال صلى الله عليه وسلم ” والله لا يؤمن ثلاثا قيل من يا رسول الله ؟ قال : الذى لا يأمن جاره بوائقه ” صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
لا يوجد في أنظمة البشر ولا قوانين الأحياء علي ظهر الأرض ما كفل الحقوق، وصان أموال الناس ودمائهم وأعراضهم، كما صانها الإسلام وحافظ عليها. فالإسلام دين الطهر والعفاف، صان الأعراض كما صان الأنفس والاموال، ودعا إلي حمايتها والدفاع عنها. وقد أكد الإسلام علي حرمات المسلمين وضرورة حفظها، فقد قال النبي صلي الله عليه وسلم: ” كل المسلم علي المسلم حرام دمه وماله وعرضه” صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم. وقد كفل الإسلام لحماية الأعراض وصيانتها حقوقا شرعية وفق ما أحله الله من علاقات نقية طاهرة، تتميز بالثبوت والإستقرار، وتحكم تلك العلاقات حقوق وواجبات للإنسان وعليه، ويجب أن يحافظ عليها حتي يقوم الكل بدوره. وتلك العلاقات التي أحلها الله تقوم علي المودة والرحمة، وتكبر من خلالها المشاعر الإنسانية التي تحافظ علي العلاقات بين البشر.
وقد حرم الإسلام علي المجتمع الإسلامي كل الرذائل، واصطفي عباده المؤمنين، ووصفهم بصفات تتفق مع عقيدتهم الإسلامية الصحيحة، وإيمانهم الصادق.فقد وصف الله عباده الصالحين بأنهم موحدون ولا يدعون مع الله إلها آخر، وهم من يحافظون علي حرمة الأنفس والأعراض، وهم من يحرمون الزنا علي أنفسهم، فقد قال الله تعالى: ” وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً (67) وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً (68) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَاناً (69) إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَّحِيماً (70)” (سورة الفرقان) صدق الله العظيم. وحرم الإسلام الزنا لانه من الكبائر والفواحش، وقال تعالى: ” وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً” (سورة الإسراء:32) صدق الله العظيم.
وتعد جريمة الإعتداء علي الأعراض من أبشع الجرائم وأخطرها، فقد انتشرت هذه الجريمة في المجتمعات التي تناست الله وبعدت عنه، وأباحت ما حرم الله، فولدت أخطر الأمراض بين مرتكبيها. وأدت هذه الجريمة إلي انتشار غيرها من الجرائم، وكل هذا بسبب فقدان المبادئ الإسلامية التي وضعها لنا الإسلام. وينشأ عن هذه الجريمة تشرد وضياع لمن جاء من الأبناء، وتؤدي إلي فقدان الحياة الطيبة المحترمة. ولما كان للزنا والإعتداء علي الأعراض من مخاطر ونتائج سيئة، تؤدي إلي هدم البيوت و انتشار الرذيلة. فقد شرع الإسلام عقوبة قاسية لتكون أكبر رادع ومانع من الوقوع في هذه الجرائم. فالزاني يتم قتله رجما بالحجارة، وتكون العقوبة علنية، حتي يكون الزاني عبرة لمن يعتبر، وحتي يكون وسيلة رادعة لمن توسوس له نفسه للقيام بمثل هذه الجرائم.
وقد نهي الله عن التعاطف أو الرأفة بالزاني أو الزانية، فقال تعالى: ” الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ” (سورة النور:2) صدق الله العظيم. وتعد أيضا السخرية، واللمز، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والغيبة، والنميمة من الذنوب التي ثمثل اعتداء علي الأعراض. فقد نهانا الله عن هذه الأمور كلها، وحذرنا منها لما لها من عواقب وخيمة، فقد قال الله تاعلى في كتابه العزيز: ” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّسُوا وَلا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَتَوَّابٌرَّحِيمٌ” (سورة الحجرات:12) صدق الله العظيم. فلا يجوز لمسلم أن يسخر من أخيه المسلم لعيب في خلقه أو لمرضه ليس له يد فيه.
لقد الله كل البشر أجمعين بغض النظر عن لغتهم، موطنهم، أو حتي ديانتهم من أب واحد وأم واحدة هما آدم وحواء. وهذا يعني أن كل البشر علي وجة الأرض بينهم روابط أخوية تعود لأول أصل و نسل لهمن ولكن مع مرور الوقت والقرون نسي الناس هذا الرابط المقدس الذي يربط البشرية جميعا. وأصبحوا يميزيون البشر بديانتهم أو عرقهم أو لونهم، ليس هذا فقط، بل أصبح البشر يتفننون في كيفية التصنيف و التفريق بين البشر، و تناسوا أن ليس فقط الإسلام بل كل الأديان السماوية الثلاثة، دعت إلي المساوة بين البشر وعدم التمييز بينهم، فكلها ديانات الله عز وجل. فمن المبادئ التي حرص ديننا الحنيف ” الإسلام ” علي وضعها، كان مبدأ المساواة، فقد قال تعالى : ” يا أَيهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ” صدق اللة العظيم. فحين جاء الإسلام أزال كل الفروق التي كانت تميز البشر، اصبح العبد مثل السيد ، الفقير مثل الغني، العريبي مثل الأعجمي، ففي النهاية كلهم بشر، وكلهم عباد الله، والله وحده بيده مصيرهم ورزقهم.
وكان المنتشر قبل ظهور الإسلام هو العبودية وحياة الجاهلية التي تقوم علي الإهانة ومبدأ الإستعباد، إلي أن جاء الإسلام وقضي علي كل الفروق التي كان يضعها الأقوام في الجاهلية. فالإسلام دين الوحدة، والمساواة، والعدالة، دين لا يقبل بإهانة أحد يتبعه، ففي كل مبدأ من مبادئه نري صون لكرامة المسلم وحفظ لها. فيقول سبحانه وتعالى: ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً “صدق الله العظيم. ففي الآية الكريمة نجد الحديث عن بني آدم كلهم دون ذكر لون أو جنس أو فئة معينة، فقصدها أن البشر أجمعين متساوون أمام الله، لا يفرق عبد عند عبد إلا العمل الصالح. ومثل ذلك حديث النبي صلى الله عليه وسلم قائلا : “إن الله قد أذهب عنكم عُبيّة الجاهلية , وفخرها بالآباء , إنما هو مؤمن تقي أو فاجر شقي , الناس بنوا آدم , وآدم خلق من تراب , ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى” صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم. فليس لنا حجة من تطبيق هذا المبدأ، إذا كان القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريقة قد دعوا إلي العمل به وتطبيقه في الحياة.
فقد حارب الإسلام كل العادات و المبادئ السيئة التي كانت منتشرة، ووضع لنا دستورا جديدا لنهتدي به، فالكل مثواه التراب والكل من تراب، فلما التعالي، والتكبر، والتفريق؟. فالإسلام جعل الناس متساوون كأسنان المشط، فقد قال صلى الله عليه وسلم : ” الناس سواء كأسنان المشط” صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم. فالنبي لم يفرق يوما بين من لديه مال وبين من ليس لديه، فقد جعل كل الناس تكمل بعضها البعض ، ولا يكتمل المجتمع بنقصان طبقة أو فئة منه. فقد كانت المساواة في عهد الرسول واضحة لأبعد الحدود في جميع المجالات، سواء كانت بين العرب وغيرهم من الأعاجم المسلمين أو بين الرجال والنساء أو الأغنياء والفقراء. فلم يقضي الإسلام علي التمميز بين البشر في الحياة الإجتماعية فقط، بلي قضي يضا علي التمييز بين الناس أمام العدالة والقانون. فيروى أن أسامة بن زيد جاء إلى الرسول صلى الله عليه وسلم ليشفع في أمر المرأة المخزومية التي سرقت كي لا يقام عليها الحد فتقطع يدها، فجاء الرد حازماً من الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً : ” أتشفع في حدٍ من حدود الله وأنت الحب بن الحب يا أسامة؟ والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها” صدق رسول الله صلي الله عليه وسلم.
الزواج لفظ عربي موضوع لاقتران أحد الشيئين بالآخر وازدواجهما بعد أن كان كل منهما منفرداً عن الآخر مثل قوله تعالى: (( وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ – التكوير: 7))، وقد أشار القرآن إلي أن الزواج عملية يمارسها الإنسان منذ بدأ الخليقة, وقبل نزول الأديان والتعاليم السماوية في قوله تعالى: ((وقلنا يا أدم إسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين – البقرة : 35)) و أيضا في قوله تعالى: ((سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون((. ونظام الزواج ليس دائرة ضيقة مقصورة على الإنسان والحيوان والنبات، بل هو سنة كونية دقيقة واسعة المدى اتخذت مكانها في أفراد الكائنات، وقسمت كل نوع إلى قسمين هما الأنثي و الذكر. ويهيئ الزواج لكل من الزوجين متعة من أعظم متع الدنيا وهذه المتعة تنقسم إلى قسمين: سكن وراحة نفسية، وإمتاع ولذة جسدية حيث قال الله تعالى في كتابة العزيز: ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون -الروم : 21)).
تعتبرمرحلة ما قبل الزواج أي مرحلة الخطوبة هي أهم مرحلة في الزواج لأن عليها تبني سعادة الزوجين معا, و يتم في هذه المرحلة اكتشاف الطرفين كلا منهما للآخر وتتركز أيضا علي حسن اختيار الشريك الآخرالذي ستبنى معه العلاقة الزوجية مستقبلا ولهذا وضع الشارع الحكيم شروطا وضوابط يجب اتباعها عند اختيار الطرف الآخر وتتلخص في قول النبي صلى الله عليه وسلم )) : تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها. فاظفر بذات الدين تربت يداك) [متفق عليه]. وقال أيضًا: (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة)، هذا بالنسبة للصفات التي أشاد بها النبي صلي الله عليه وسلم في المرأة، أما بالنسبة للرجل فقد وجه النبي صلى الله عليه وسلم إلى اختيار صاحب الخلق الحسن، حيث قال: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه، فأنكحوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد). قالوا: يا رسول الله، وإن كان فيه؟ (يعني: نقص في الجاه أو فقر في المال أو غير ذلك). قال صلى الله عليه وسلم: (إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فأنكحوه) (ثلاث مرات) [الترمذي[. فما خاب أبدا من تبع سنة الحبيب.
وتأتي بعد هذه المرحلة وبعد حدوث الإتفاق والتوافق بين الطرفين مرحلة الإشهار أو عقد القران فبعدأن يتم عقد القران يبدأ كل من الشريكين في الإستعداد لحفل الزفاف, ولم يأمرنا الإسلام بالزواج في فترة معينة من السنة ولكن يستحب أن يكون حفل الزفاف في شهر شوال والدخول فيه، فعن عائشة -رضي اللَّه عنها- قالت: تزوَّجني رسول الله صلى الله عليه وسلم في شوَّال، وبنى بي في شوَّال، فأي نساء رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحظى عنده منى. وكانت عائشة -رضي اللَّه عنها- تستحب أن تدخل نساءها في شوَّال.
أما مرحلة ما بعد الزواج تظهر حقيقة الزواج لدى الطرفين و كيفية فهم كلا منهما للزواج, وهي مرحلة البناء والتشيد للحياة في ظل تحديات وصعوبات قد تواجه الزوجين وهذ سنة الحياة , فهنايلعب كل من الزوجين دوره الفعال في هذه العلاقة المقدسة ،فتقوم الزوجة الصالحة بدورها الحقيقي ويتجلى ذلك في الصبر والطاعة لله وللزوج، وعلي الزوج أيضا التزامات وواجبات نحو زوجتة فيجب أن يتحمل ويصبر على كل ما سيواجهه من صعاب في حياته الزوجية , والأهم في هذه المرحلة هو تكوين أسرة أركانها ذرية صالحة وأساسها أبوين صالحين وبذلك تنشأ الحياة الطيبة التي أشار إليها نبينا الكريم و حثّ علي الحفاظ عليها.
يسود اعتقاد لدى كثير من المسلمين ان نظرية التطور هي نظرية تتصادم كليا مع فكرة الخلق . و هذا التصور الخاطئ ناتج عن سببين رئيسيين . الاول : هو تبني الملحدين لهذه النظرية و استخدامها بشكل مغالط للتدليل على استحالة الخلق . لكن خلق الله للإنسان و لبقية الكائنات لا يستلزم بالضرورة أن يكون خلقا فوريا . و التطور لا يمكن ان يكون حجة لإنكار وجود الخالق , لأن الخلق قد يكون تدريجيا مثلما يمكن ان يكون مباشرا و فوريا . ببساطة لان الله كلي القدرة لا يعجزه أن يخلقنا عبر التطور مثلما يمكنه خلقنا خلقا فوريا , و مجرد تذكرنا اننا جميعا نتيجة خلق تدريجي في ارحام امهاتنا يمكن ان يبسط لنا الفكرة و يجعلنا نعيد النظر في مسلماتنا عن الخلق . اما السبب الثاني الذي يدفع اغلبية المسلمين إلى رفض نظرية التطور و هو السبب الأهم فهو اعتقادهم أن النظرية تتصادم بشكل كلي مع نصوصهم المقدسة . فالمسلمون يعتقدون أن الله خلق البشر من خلال خلقه لآدم بوصفه أول البشر والذي خلق له بعد ذلك زوجته حواء من ضلعه, و بالتالي فإن أي تصور عن الخلق يتعارض مع هذه القصة هو بالضرورة تصور باطل .
المشكلة التي تواجه المسلم في هذه الحالة هي ان الادلة المؤيدة للتطور صارت اليوم تتزايد باستمرار و في كل مرة تؤكد الدراسات و الابحاث ان الحياة على سطح الارض لم تنشأ بشكل مفاجئ بل ظهرت بشكل تدريجي على مدى ملايين السنين . مما يجعل الافتراض بنشأة اشكال الحياة عبر التطور افتراضا قويا جدا . بل الافتراض المنطقي الوحيد الذي يتناغم مع معطيات السجل الحفري . فالسجل الحفري يظهر لنا بوضوح ان أشكال الحياة الابسط اولا على الارض , و كلما تقدمنا في الزمن ظهرت انواع أكثر تعقيدا فيما يمكن وصفه بشجرة للأنواع الحية . كما ان جميع الكائنات تشترك في بنية اساسة واحدة . تدل على اصلها المشترك . و اليوم اصبحت احدث التحاليل و الدراسات الجينية تؤكد كثيرا من فرضيات نظرية التطور و تؤكدها.
في مواجهة هذه الحقائق العلمية , صار من اللازم علينا اليوم ان نعيد النظر في موقفنا من النظرية و طرح السؤال التالي : هل هناك فعلا تعارض بين تصوري الخلق و التطور ؟ و هل يحتوي القرآن على نصوص صريحة ترفض القول بالتطور بشكل كلي , سواء تعلق الامر بالإنسان او ببقية الكائنات ؟
قد يتبادر إلى أذهان الكثيرين ان السؤال على هذه الاسئلة بسيط و بديهي و هو ان إمكانية الجمع و التوفيق بين كلا التصورين هو امر مستحيل . لكن لعل بعض الآيات القرآنية تجعلنا نتردد قليلا قبل التسرع في إصدار حكم نهائي و تجعل من هذه الاسئلة اسئلة مشروعة بغض النظر عن اجوبتنا .
و لكي اوضح ما ارمي إليه هذه بعض الآيات القرآنية التي يمكن ان تفتح باب التفكير الجدي في مسألة الخلق و كيفيته .
يقول تعالى “قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق“
“والله أنبتكم من الارض نباتا“
” و قد خلقكم أطوارا“
” ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم“
“الذي أحسن كل شيء خلقه و بدأ خلق الإنسان من طين“
“إن الله اصطفى آدم و نوحا و آل ابراهيم و آل عمران على العالمين“
هذه الآيات و آيات كثيرة غيرها يمكن ان تكون محفزا لإعادة قراءة نظرية التطور و براهينها و محاولة فهمها دون أحكام مسبقة بدل تبني موقف مسبق رافض لها .
فإذا كان الله يأمرنا بالسير في الارض لمعرفة اصل الخلق و مبدأه كما يفعل علماء الإحاثة اليوم , و إذا كان يقول أن خلقنا كان أطوارا و أن آدم هو نبي مصطفى كغيره من الأنبياء و أن خلقنا و تصورينا كان قبل أن يأمر الملائكة بالسجود لآدم فما الذي يمنعنا من إعادة النظر من موقفنا من نظرية التطور عموما . لماذا لا يكون احتمال خلقنا كما يعتقد العلماء اليوم هو الامر الذي يشير إليه القرآن لكننا نتجاهله بسبب جمودنا على تصور القدماء عن الخلق . ألا يمكن أن يكون تصورنا عن الخلق ناتج عن طبيعة تفكير البشر في زمن لم يتطور فيه العلم تطورا كافيا ليتصور طريقة للخلق تختلف عن تلك التي تتصورها معظم الثقافات القديمة ؟ هذه الاسئلة و غيرها هي ما ينبغي في نظري ان تطرح اليوم لفتح طرق جديدة في التعامل مع العلم بثقة بدل الدخول معه في مواجهات غير ضرورية . فهل نحن فعلا مستعدون لذلك ؟؟
الواقع هو أنه و إلى هذه اللحظة مازال عالمنا الإسلامي متخوفا من مناقشة مثل هذه القضايا , فالبرغم من ان الكثير من المسلمين بدأوا يطرحون قراءات جديدة اللتراث و للقرآن تنظر لكثير من المسائل من زوايا مختلفة و منظورات جديدة إلا ان هذا الموضوع لازال يشكل نوعا من الطابو بسبب ارتباط النظرية في اذهان الكثيرين بالإلحاد و الكفر . و لكن ما كان في زمن ما كأمرين متناقضين لا يمكن الجمع بينهما يصير بالإمكان الجمع بينهما في زمن آخر إذا راجعنا بعض المسلمات البسيطة . و لكن هنا تكمن المشكلة, أي عندما نصر بعناد على عدم مراجعة مسلماتنا و لو من باب فتح النقاش بصورة جدية مع من يمتلكون ربما نظرة مختلفة عن نظرتنا لمسألة ما . لذا ليس هذا المقال البسيط إلا دعوة للتفكير و إعمال مبدا “لما لا!!” … لما لا يكون داروين محقا و لما لا يكون التطور هو الطريقة التي بها خُلقنا ؟؟!!!!!
يرى الفكر الإسلامي أن الكون يخضع لنظام دقيق يدل على غائيته ولو كان في الفوضى لانتفت الغائية وانعدمت الوظيفة وساد الاضطراب… إذ لا يمكن لأي كائن أن يبلغ هدفه إن كانت حركته عشوائية “مضطربة، فوضوية” ولا بد له مِنْ ناظم ينظم حركته، ولما كان الإنسان جزءاً من النظام لكوني فقد اقتفى أن يخضع في حركته للقانون نفسه الذي يحرك باقي مفردات الكون. فالحركة العبثية “اللاغائية” حركة مدمرة وقد حرصت الديانات، بمختلف مصادرها وكذلك معظم الفلسفات الإنسانية على تنظيم حركة الإنسان وتحديد غايتها وتوضيح هدفها إلا أن الإنسان ما كان يستجيب لذلك إلا في النادر.. ولما كان الإنسان مسؤولاً عن أعماله أمام الله والناس، فقد اقتضت هذه المسؤولية الحرية والقدرة على الاختيار وهو ما لا يتوافر للإنسان إلا بشرط المعرفة فمسؤوليته وحريته في الاختيار إنما تتناسب طرداً مع معرفته. وقد خلق الإنسان كائناً معرفياً بمعنى أنه قادر على اكتساب المعرفة واستنباطها ” الحصول عليها” من مصادرها، وهو مزود بقوة أخرى أهم من المعرفة تدفعه إلى البحث عنها هي المحبة والعشق الذين يتطلبان ما يُحَبُّ ويعشق إلا وهو الجمال. والجمال كلمة تدل على مطلق يصعب تجديده، فهي تتسع لتشمل مفردات الكون جميعها، وهذا ما يجعل تحديد مفهومها “معناها” أمراً صعباً ومُخْتَلَفَاً فيه، إلا أن البحث أوصلنا إلى اكتشاف تعريف ينسجم مع النظرية العامة لعلم الجمال العربي- الإسلامي… الجمال: هو صفة قائمة في الموضوع الجميل تنشأ عن الكمال الذي يبلغه التناسب القائم بين العناصر المكونة للموضوع الجميل في عرضه “شكله” وجوهره “مضمونه” وتمكنه من أداء وظيفته التي وجد من أجلها على أكمل وجه. ولما كانت العقيدة الإسلامية هي التي تحكم باقي النتاج الحضاري عند العرب- المسلمين وفي مقدمته الفكر العربي الإسلامي ولا يمكن فهم ذلك النتاج وهذا الفكر إلا م خلال تلك العقيدة فإن مفهوم الجمال عند هؤلاء ارتبط بذلك الفكر. إلا أننا نعرف أن هذا الفكر “الفكر العربي الإسلامي” لم يكن فكراً نظرياً، وإنما هو معيش “محقق، منفذ، موجود” في الواقع من ظهور الإسلام إلى اليوم وقد اختلط هذا الفكر بالثقافات الواردة من الحضارات الأخرى التي كان يمثلها أبناؤها من سكان البلاد التي فتحها العرب- المسلمون سواء أظل هؤلاء على دياناتهم السابقة أم تحولوا إلى الإسلام وحملوا معهم بقايا ثقافاتهم. إن هذه الحقيقة أخرجت مفهوم الجمال من أطره العقدية “الدينية” الإسلامية البحتة وجعلته مرتبطاً بما أنتجه بوتقة “باقة، مجموعة” العقيدة الإسلامية التي انصهرت فيها كل الثقافات الأخرى لتعطي حضارة جديدة متكاملة تحكمها تلك العقيدة وتوجهها وتعبر عنها اللغة العربية بكل ما فيها من معاني “أبعاد” معرفية وحضارية خاصة بالثقافة العربية. من خلال ما تقدم يمكننا استنباط مرجعية “قاعدة، أسس” نحتكم إليها في كلامنا على مفهوم الجمال في الفكر العربي الإسلامي: أ- فالإنسان هو الذي يحدد مفهوم الجمال في الموجودات بحسب وظائفها التي وجدت من أجلها قياساً إلى وجوده هو عينه الذي ارتبط بالوجود الإلهي حسب الفكر العربي الإسلامي وهي تساعده في معرفة جماله واكتشاف جوهره ليزداد قدره على إدراك العالم ووعيه… ب- إن الجمال في الموجودات إنما يقاس بحسب نسبتها إلى كمالها الذي اقتضاها سبب كونها ووظيفتها التي خلقت من أجلها وبقدر ابتعاد الموجودات عن ذلك الكمال يكون ابتعادها عن الجمال، فلا مكان للعبث واللعب وإنما سعي وراء التكليف لنيل الكمال مصدر السعادة وهذا ما يبينه القرآن الكريم حسب قوله تعالى: “وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين” إنما خلقت من أجل الإنسان سيد المخلوقات وسُخَّرت له ليحقق خلافته في الأرض التي بينها قوله تعالى: “وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة”. ج- يقول رسول (ص): إن الله جميل يحب الجمال، ولما كان الله مصدر الوجود جميلاً محباً للجمال فقد اقتضى أن يكون كل ما صدر من الموجودات جميلاً بالضرورة غذ لا يعقل أن يصدر القبيح عن خالق جميل يحب الجمال. د- إذا كان مفهوم الجمال قد ارتكز على الكمال وتمحور عليه فمال الكمال؟ أيضاً إن الذي يحدد مفهوم الكمال إنما و الإنسان ذاته من خلال موقعه في الكون وقدم لنا الجرجاني في تعريفاته مفهوماً جامعاً للكمال بحسب الفكر العربي الإسلامي يقول فيه: الكمال ما يكمل به النوع ذاته “جوهره، مضمونه” أو في صفاته “عرضه، شكله” .. فالكمال في الموجودات على مستويين بحسب الذات أولاً وبحسب الصفات ثانياً.. فالكمال الأول هو كمال الجواهر والكمال الثاني هو كمال الأعراض ويتحد الكمالان في الإنسان أجمل المخلوقات في أصل النشأة فيكون كاملاً من جهتي العرض والجوهر معاً ولكل من العرض والجوهر كماله اللائق به، فالجمال الإنساني هو أجمل ما في الكون لأنه يستمد وجوده من الله كباقي المخلوقات، ويتفوق على جميع ما سخر له “خلق من أجله” بامتلاكه النفحة الإلهية التي يحملها بين الموجودات إلا هو بحسب قوله تعالى: ” وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمإ مسنون فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين”. ولما كان الأمر على ذلك فقد تقرر أن الجمال في الموضوع إنما يتناسب مع الكمال الحاصل من التناسب والتوافق بين الأعراض والجواهر مجتمعة في الموضوع الجميل وكلما كان التناسب أكبر حقق توافقاً أعظم في أداء وظيفة هذا الموضوع كانت نسبته إلى الجمال أكبر وإطلاق صفته عليه أحق. المصادر: القرآن الكريم- الحديث الشريف. المراجع: المدخل إلى الفكر الجمالي عند العرب المسلمين للدكتور حسين صديق.
تعود أصول الفكر الجمالي إلى المراحل الأولى للحضارة الإنسانية في مصر وبابل والهند والصين واليونان ولعل أفضل ما وجد في تلك الحضارات هو ما صاغه اليونان ولاسيما أرسطو وأفلاطون وكان سقراط (470-399 ق.م) أول من بشّر بقدوم مرحلة جوهرية من مراحل علم الجمال وابتعد في آرائه عن المادية الساذجة وربط مفهوم الرائع بمفهوم المفيد، وكان الفن بالنسبة إليه محاكاة للطبيعة ثم جاء بعده أفلاطون “تلميذه” وأرسطو الذي بلغ بمؤلفاته ذروة الفكر الجمالي الإغريقي ثم جاء أفلوطين الممثل البارز للأفلاطونية الجديدة (204-270 م) حيث كان يرى العالم فيضاً عن الكمال الإلهي ويقول: إن غاية الإنسان هي العودة إلى الله. والواقع أن علم الجمال لم يستقل عن الفلسفة في الدراسات الأوربية إلا في النصف الأخير من القرن الثامن عشر عندما فصل الفكر الأوربي العلوم التطبيقية عن العلوم الإنسانية، أما العرب فلا بد وأنهم عرفوا فكراً جمالياً ومفهومات جمالية كانت خاصة بهم ارتبطت بثقافتهم المؤسسة على العقيدة الإسلامية، واستوعبت كل ثقافات الأمم الأخرى في زمانها إلا أننا اليوم لا نجد إلا إشارات سريعة إلى ما عند العرب المسلمين من فكر جمالي رويت في مؤلفات غربية، لأن العرب في القرن العشرين أهملوا هذا الفكر كل الإهمال. إن العرب المعاصرين يملكون مفهوم جمال خاص بهم هو امتداد لثقافتهم الممتدة في التاريخ صعوداً إلى آلاف السنين وإن كانت هذه الثقافة قد شهدت توجهاً جديداً ربطها بالفكر الإلاهي عند ظهور الإسلام. إلا أن هذا المفهوم يعيش فقط في الثقافة غير العالمة ولاسيما الاجتماعية وما فيها من عادات وتقاليد ونظم حياة وقيم تتمثل في السلوك اليومي والمواقف الحياتية العملية ولا بد أن نوضح مفهوم الثقافة غير العالمة: وهي تعني طريقة الإنسان في العيش وبخاصة في المسائل المادية الأولية التي هي واحدة عند جميع الناس ولكن مختلفة من حضارة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر، فالجميع يعرف الزواج والطلاق والولادة والموت والطعام والشراب والجنس والنوم والصحو إلا أن طرق عيشها والنظر إليها وفهمها مختلف من حضارة إلى أخرى فالزواج في الغرب الأوربي لا يمثل القيم نفسها التي يمثلها في الشرق العربي الإسلامي وكذلك الموت.. وقس على ذلك باقي المسائل التي توصلنا إلى قناعة بضرورة وحتمية الاختلاف في المفاهيم وسبل العيش بسبب الاختلاف بالمعتقدات وقوانين العيش الناظمة لعلاقة الإنسان بالكون والإله والإنسان. من خلال إلقاء نظرة على المؤلفات العربية المعاصرة في علم الجمال سنتبين أنها نوعين: الأول: كتب مترجمة عن اللغات الأوربية ، والثاني: ألفها عرب اعتمدوا فيها على الكتب الأولى المترجمة ولا نجد إلا في النادر، كتباً ألفت حول مفهوم الجمال العربي المعاصر أو العربي الإسلامي ومن هذه الكتب كتاب للدكتور: سعد الدين كليب بعنوان: البنية الجمالية في الفكر العربي الإسلامي، وكتاب للدكتور: حسين الصديق بعنوان: فلسفة الجمال ومسائل الفن عند التوحيدي. أما مصادرنا العربية التراثية فهي أكثر من أن تحصى وكلها قادر على أن يمدنا بثروة هائلة من المواد التي يمكن تصنيفها تحت علم الجمال أو استنباط مفهومات جمالية منها.. وهذه المواد موجودة في جميع تلك المصادر على اختلاف أنواعها: الفقه، علم الكلام، العرفان، الفلسفة، الأدب، الفن، ومعظم هذه النصوص لم يُتنبه إليه ولم يُدرس دراسة قائمة على منهج متكامل وعلمي يربط بين النص والأطر المعرفية الثقافية التاريخية التي كانت تحيط به عند إبداعه.. تلك النصوص نجدها منتشرة بكثرة عند الفلاسفة والمتصوفة وعند المتكلمين والفقهاء والأدباء بالإضافة إلى نصوص أخرى تنتمي إلى الثقافة غير العالمة وهي جديرة بدراسة خاصة تقوم على الفارق التاريخي بين الثقافة العالمة وغير العالمة.. ولا بد أيضاً من دراسة كافة أنواع الصناعات التي عرفتها الحضارة العربية الإسلامية وكيف انعكست ثقافتهم في إبداعهم الصناعي ومن المصادر والكتب والنصوص تلك نذكر: - مشارق أنوار القلوب ومفاتح أسرار الغيوب “ابن الدباغ”. - روضة التعريف بالحب الشريف “لسان الدين ابن الخطيب”. - رسائل ابن سبعين. - رسائل ابن عربي. - كتب ابن سينا (الإرشادات والتنبيهات، الإلهيات، المبدأ والمعاد، جوامع علم الموسيقا). - الفارابي (آراء أهل المدينة الفاضلة، معارج القدس في مدارج معرفة النفس). - أبو حامد الغزالي (إحياء علوم الدين). الإنسان ليس ابن الحاضر، إنه ابن الماضي… وهو يرى الحاضر ويتعامل معه ويحكم عليه من خلال تجربته المكتسبة في الماضي والحاضرة في ذاكرته والتي هي جزء من ذاكرة مجتمعهِ التي تمتد جذورها عميقاً في ذاكرة الحضارة التي ينتمي إليها وعلى هذا فإن الإنسان ابن ثقافة حضارته التي تصوغ شخصيته وهويته وتشكل أفعاله وتحكمه حكماً لا واعياً في الغالب. يتبع….